دراسة بموضوع النعمة بالمسيحية (LESSONS ON GRACE)
الجزء الرابع: العلامة مسجلة للحرية (Trademark of Freedom)
المحبة بالمسيحية
“فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا.”
غلاطية 5: 13
لقد حرّرنا الإنجيل من إدانة القانون وإلزام القانون. لكن الحرية المسيحية ليست مجرد تحرر من شيء ما؛ إنها أيضًا حرية لشيء ما. على وجه التحديد، نحن أحرار في “خدمة بعضنا البعض في المحبة”.
سنرى في هذا الفصل كيف يحررنا الإنجيل لخدمة إخوتنا، ونرى كيف يجب تقديم هذه الخدمة.
أولاً: عائلة المؤمنين
يصف الكتاب المقدس الكنيسة بأنها عائلة أو أخوة. يسمي الكنيسة في غلاطية 6: 10 “عائلة المؤمنين”. يقول في أفسس 2: 19 نحن “أهل بيت الله”. يحثنا بطرس على “حب الأخوة” (بطرس الأولى 2: 17). نحن أبناء الله (كورنثوس الثانية 6: 18) وإخوة وأخوات لبعضنا البعض (غلاطية 5: 13 ؛ فيلمون 2).
مثلما قامت بعض العائلات بتطوير شعارات أو غيرها من الرموز الفريدة والمميزة (على سبيل المثال، القماش الأسكتلندي)، كذلك لدى عائلة المؤمنين سمة مميزة أو “علامة تجارية”، تسَّمى المحبة الأخوية. قال يسوع:
“وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ.” يوحنا 13: 34 – 35
لقد أُمرنا أن نحب جميع الناس، حتى أعدائنا. لكن الحب الذي يجب أن نملك أتجاه زملائنا المسيحيين هو نوع خاص من الحب، حب العائلة.
” لِتَثْبُتِ الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ.”، يحض عبرانيين 13: 1 (انظر بطرس الأولى 3: 8).
تقول رسالة رومية 12: 10 “وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ، مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ.” المصطلح المستخدم هنا ليس الكلمة العادية للحب المسيحي. إنها الكلمة التي تشير إلى المودة المعطاءة الموجودة فقط بين أفراد الأسرة.
ثانياً: الخدمة بمحبة
حيثما وُجِد الحب، فإنه يعبّر عن نفسه في الخدمة النشطة. لا يمكن أن يكون الحب سلبيًا. يسأل يوحنا: ” وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ اللهِ فِيهِ؟
يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ! ” (يوحنا الاولى 3: 17-18).
وهكذا أيضاً “بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا.” (غلاطية 5: 13). يظهر حبنا لله عندما نساعد شعبه (عبرانيين 6: 10).
في حالات الحاجة الملحة، يجب علينا مساعدة أي شخص دون تمييز (انظر لوقا 10: 29-37). لكن مسؤوليتنا الأساسية هي مساعدة إخواننا المسيحيين. يقول بولس هذا بوضوح:
” فَإِذا حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلاَ سِيَّمَا لأَهْلِ الإِيمَانِ.” (غلاطية 6: 10).
أ) الخدمة الروحية
على الرغم من أننا عادة ما نفشل في رؤيتها، إلا أن احتياجاتنا القصوى هي روحية. بالتالي فإن أهم خدمة لإخواننا يجب أن تكون لها علاقة بالأمور الروحية.
هذا هو الأهم في ذهن بولس عندما يقول في غلاطية 6: 2 “اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ”. لقد كان يتحدث للتو عن مساعدة الأخ للتغلب على خطيئة مستمرة (الآية 1). عندما يتم استعادة مثل هذا الشخص عن طريق التوبة، علينا أن نغفر له ونعزيه. (كورنثوس الثانية 2: 7).
الحاجة والمسؤولية في تحمل العبء المتبادل تظهر في الأستخدام الكتابي المتكرر لعبارة “أحدكم الآخر” أو “بعضكم البعض”. ضع في أعتبارك هذه القائمة:
” بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ.” عبرانيين 3: 13
“وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ” عبرانيين 10: 24
“لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَابْنُوا أَحَدُكُمُ الآخَرَ، كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضًا.” تسالونيكي الأولى 5: 11
“اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا” يعقوب 5: 16
“كُونُوا مُضِيفِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلاَ دَمْدَمَةٍ.” (بطرس الأولى 4: 9).
“لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ.” كولوسي 3: 16
“لِكَيْ لاَ يَكُونَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَسَدِ، بَلْ تَهْتَمُّ الأَعْضَاءُ اهْتِمَامًا وَاحِدًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.” 1 كورنثوس 12: 25
“نخدم بعضنا البعض…” غلاطية 5: 13″لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً، يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ.” بطرس الأولى 4: 10
هذا التشديد على الخدمة المتبادلة يجعلنا نُشبّه الكنيسة بقوس حجري، حيث تدعم كل حَجَرة الحَجَرات الأخرى. والحاجة الماسة في الكنيسة هي الدعم الروحي.
ب) الاعمال الخيرية
تأخذ المحبة أيضًا في الاعتبار الاحتياجات المادية للأخوة. تعطينا مساحة لعمل الخير.
الغريب في الموضوع، انه في حين أن معظم الكنائس لديها برامج للإرساليات، إلا أن القليل منها لديها برنامج منظم للأعمال الخيرية. وتكمن غرابة الموضوع في أن الكتاب المقدس يشير إلى الأستخدام الأمثل والرئيسي للأموال التي يتم جمعها بالكنيسة يجب أن يكون لأغراض خيرية.
حيث باع المسيحيون الأوائل أملاكهم ومقتنياتهم من أجل تلبية الاحتياجات اليومية لأولئك الذين لم يكن لديهم وسائل الدعم (أعمال 2: 44-45 ؛ 4: 32-37). عندما أعطى بولس الرسول تعليماته لكنيسة كورنثوس (كورنثوس الأولى 16: 2 ؛ كورنثوس الثانية 8،9) ، كان يشير إلى مسؤوليتهم نحو تسديد احتياجات كنيسة أورشليم المادية.
الأغنياء (تيموثاوس الأولى 6: 18) وأيضاً الذين حصلوا على الموهبة الروحية في تلبية احتياجات الآخرين، لديهم مسؤولية خاصة في خدمة الآخرين (رومية 12: 8). ولكن، كما يقول بولس الرسول، حتى لو تطلَّبَ الأمر عملًا شاقًا، “ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء، متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال: مغبوطٌ هو العطاء أكثر من الأخذ” (أعمال 20: 35). خير مثال على خدمة المحبة هو ما قام به دوركاس Dorcas، “الذي كان يعمل دائمًا الخير ويساعد الفقراء” (أعمال الرسل 9: 36-39).
حتى في مجتمعات الدول المتقدمة، لا تزال هناك العديد من الاحتياجات والفرص للكنائس والأفراد للتعبير عن الحب الأخوي من خلال الاعمال الخيرية. في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، هناك عدد من منازل الأطفال المسيحيين، ومنازل كبار السن والعيادات والمستشفيات التي تحتاج إلى دعمنا. غالباً، أن هناك أعضاء في كنائسنا يواجهون فترات عصيبة من الحاجة وأكثر مما قد ندرك.
يجب أن نتذكر تعاليم بولس الرسول في غلاطية 6: 10، أن مسؤوليتنا الأساسية تجاه عائلة المؤمنين. طالما كانت هناك احتياجات لم يتم تلبيتها داخل عائلة الكنيسة (حتى في جميع أنحاء العالم)، يجب أن تكون لها الأولوية على أي نداءات متعددة قد تأتي إلينا من العالم حوالينا.
ثالثاً: أساس الخدمة المضحية
يمكنك ان تقوم بالتبرع المادي والتطوع لتلبية أحتياجات الآخرين ويتم مساعدة الناس بالفعل. ولكن ما هو الدافع؟
عند قيامنا بالأعمال الصالحة، هل نكون مهتمين بضمان خلاصنا أكثر من إشباع احتياجات الآخرين؟
أ) الأشتراك في الحسنات الفائضة للقديسين (Communion of the Saints)
لتوضيح الفرق بين هذين الأساسين للخدمة، الأعمال لضمان خلاصك والأعمال لإشباع احتياجات الآخرين، سوف نتفحص بأختصار الوصف اللاتيني القديم للكنيسة وهو “الأشتراك في الحسنات الفائضة للقديسين” – مبدأ قديم في كنيسة الروم الكاثوليك يدعى باللاتينية Communio Sanctorum أو ما يسمى بالإنجليزية (Communion of the saints).
شرحت كنيسة الروم الكاثوليك في العصور الوسطى هذه العقيدة على أنها تعني أن “الآخرين بأمكانهم الأخذ من الحسنات الفائضة للقديسين”. القديسين هم أولئك القلة من الصالحين والصالحات، الذين لديهم أعمالاً صالحة (الحسنات) كثيرة وأكثر بكثير مما يحتاجون إليه لنيل خلاصهم؛ ولهذا تم جمع الفائض من هذه الأعمال الصالحة إلى “خزينة الحسنات”. وعندما يعجز المسيحي، على حسب هذا المبدأ الخاطئ، يمكن له السحب من هذه الخزينة ما يحتاجه لنيله الخلاص.
هاجم مارتن لوثر، عن حق، هذا التفسير الخاطئ لمبدأ “المشاركة في الحسنات الفائضة للقديسين communio sanctorum” وذلك لسببين:
أولاً: الأعمال الصالحة القادرة على أن تخلص أي شخص هي تلك التي عملها المسيح.
لا يستطيع أي خاطئ أن يكسب حسنات كافية حتى لإنقاذ نفسه من الهلاك، ناهيك عن أن يكون هناك فائض منها ليشارك فيها الآخرين. *
ثانياً: قال لوثر، إن هذا التفسير يجعل الأنضمام لعضوية الكنيسة دافعه أنانياً.
حيث يسعى المرء ليكون عضواً في الكنيسة فقط للإستفادة منها. إذا كنت تعتقد أن الخلاص يُمكن أن يُكتسَب، فحتى أعمالك الصالحة ستنفعك ببساطة. وهذا التعليم مخالف لكلمة الله.
الكنيسة هي شركة القديسين، قال لوثر. وهذا يعني ببساطة “مجتمع القديسين”. كلمة “مجتمع” هنا تعني مجتمع المشاركة أو الخدمة الحية، وجميع المسيحيين هم “القديسين”. وهنا تصبح عضوية الكنيسة وسيلة للعطاء والمشاركة والتعبير عن المحبة الأخوية من خلال القيام بالأعمال الصالحة.
ما الذي يسمح لنا برؤية عمل الكنيسة هكذا؟ هو المبدأ الكتابي الذي ينص على ان التبرير (أي الخلاص) بالإيمان. نحن على علاقة صحيحة مع الله بالإيمان بالعمل الكفاري للمسيح. وبالتالي ليس علينا أن نسعى للحصول على أو نساوم على استعارة “حسنات” فائضة من مخزون شخص آخر أو تجميع ما نحصل عليه من حسنات في المخزن الخاص بنا. التبرير بالإيمان بدَّل الأهتمام بالذات والخدمة الباحثة عن المكافئة الى الإيثار (عدم الأنانية) والخدمة التي محورها الآخر.
بول ألثاوس معلقاً على ما قاله لوثر:
لوثر يعلم أن بشارة التبرير بالنعمة المجانية من خلال الإيمان هو وحده القادر على خلق مجتمع مسيحي حقيقي. الإنجيل يضع خلاص الإنسان بالكامل في يد الله ويعفي الإنسان من الأهتمام الأناني بمصيره الأبدي والذي قد حدد كل أفعاله؛ وهكذا، تم تحرير الانسان لتقديم الخدمات من قلب صادق وبدافع المحبة الأخوية “(لاهوت مارتن لوثر، ص 303).
وايضاً يقول بول ألثاوس:
لأن مسألة خلاصنا قد تم علاجها بإيمان مبرر وهو من الله ولا شيء من أنفسنا، فنحن الآن احراراً بالكامل لنستخدم كل ما لدينا من موارد، وكل ما بأستطاعتنا لخدمة الاخرين. (المرجع السابق، ص 308).
ب) مكافآت الخدمة
على الرغم من أن الخلاص هو الهبة المجانية بالنعمة الإلهية، وبالرغم من أن خدمتنا مدفوعة بمحبة غير أنانية، إلا أن أعمالنا الصالحة ستُكافأ بإحسان الله غير المحدود. “لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ.” (عبريين 6: 10).
لذلك، “فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ.” (غلاطية 6: 9).
* تعليق مدير برنامج معاكم – القس جورج دبابنه : بالنعمة نحن مخلصون من خلال الإيمان الكتابي وهو تصديق البشارة وطاعة الانجيل.
a




