
تشير رسالة رومية 12: 1 إلى أن الحياة المسيحية كلها هي عبادة مقدمة لله. يجب على المسيحيين أن يفعلوا كل شيء “لمجد الله” (1 كورنثوس 10: 31)، وكل ما يتم القيام به، لمجد الله بالتأكيد، هو عمل عبادة إلى حد ما. ومع ذلك، أُمِرَ المسيحيين بالأجتماع معًا، وأحد أهداف القيام بذلك هو المشاركة في العبادة معًا.
رومية 12: 1 فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.
نحن هنا نسأل: ما هي أعمال العبادة التي يجب أن تتضمنها أجتماعات الكنيسة؟
بالمعنى الدقيق للكلمة، بعض الأشياء التي يفعلها المسيحيون في أجتماعاتهم ليست عبادة أو لا تقتصر على العبادة، أي أنها ليست أنشطة موجهة بشكل خاص وحصري نحو الله. ومع ذلك، يُمكن لبعض الأنشطة المسيحية أن تكون بمثابة عبادة بهذا المعنى الدقيق، بل إنها كذلك. مُعظم هذه الأعمال، إن لم يكن كلها، يمكن القيام بها كعبادة فردية وبعيداً عن لقاءات الكنيسة. ولكن معظمها، إن لم يكن كلها، يمكن ويجب أن تمارسها الكنيسة عندما تجتمع معًا.
تتضمن القائمة: الترانيم (التسبيح) والصلاة والعشاء الرباني والعطاء المادي.
1) التسبيح
من الواضح أن التسبيح لله هو عبادة:
” رَنِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَتْقِيَاءَهُ، وَأحْمَدُوا ذِكْرَ قُدْسِهِ.” (مز 30: 4). ” 2 احْمَدُوا الرَّبَّ بِالْعُودِ. بِرَبَابَةٍ ذَاتِ عَشَرَةِ أَوْتَارٍ رَنِّمُوا لَهُ. 3 غَنُّوا لَهُ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً. أَحْسِنُوا الْعَزْفَ بِهُتَافٍ.” (مز 33: 2-3). “6 رَنِّمُوا للهِ، رَنِّمُوا. رَنِّمُوا لِمَلِكِنَا، رَنِّمُوا. 7 لأَنَّ اللهَ مَلِكُ الأَرْضِ كُلِّهَا، رَنِّمُوا قَصِيدَةً.” (مز 47: 6-7)،
راجع أيضاً مز 101: 1؛ 105: 2؛ 144: 9.
يقول بولس الرسول إن إحدى نتائج كونك مسيحيًا ممتلئًا بالروح هي “أن ترنم وترتل بقلبك للرب” (أف 5: 19؛ راجع كولوسي 3: 16). وفي السماء يُرَتِّل الملائكة والمَفديون بتسابيح الله والحَمَل (رؤ 5: 9؛ 14: 3؛ 15: 3).
في زمن العهد القديم، تم تصوير شعب الله وهم يُسبِّحون معًا. “حِينَئِذٍ رَنَّمَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هذِهِ التَّسْبِيحَةَ لِلرَّبِّ” (خروج 15: 1). وفي مناسبة خاصة ” وَدَاوُدُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ يَلْعَبُونَ أَمَامَ اللهِ بِكُلِّ عِزّ وَبِأَغَانِيَّ وَعِيدَانٍ وَرَبَابٍ وَدُفُوفٍ وَصُنُوجٍ وَأَبْوَاق.” (1 أخبار 13: 8).
الترنيم الجماعي واضح ضمنيًا في مز 95: 1-2؛ 100: 2؛ 149: 1.
رَنَّمَ يسوع ورُسله ترنيمة الفِصح (متى 26: 30 ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ).
ماذا عن عصر العهد الجديد، في الواقع لا توجد إشارة واضحة في العهد الجديد إلى جماعة مسيحية منخرطة في الغناء الجماعي، سواء بالأمر أو بالقدوة. أفسس 5: 19 (“مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ”) لا تشير بوضوح إلى جماعة. عبرانيين 13: 15 (تقديم ذبائح التسبيح) لا تَذكر على وجه التحديد الغناء ولا التجمع. أعمال الرسل 16: 25 (بولس وسيلا يُصليان ويُسبحّان في السجن) ليس أجتماعًا عاديًا. في 1 كورنثوس 14: 15 يبدو الترنيم وكأنه في سياق جماعي، لكنه ليس كذلك (انظر الآية 26).
فكيف يمكننا إذًا تبرير الترنيم الجماعي في أجتماعات الكنيسة؟ لسبب واحد وهو أن العهد الجديد لا يَمنَع ترديد التسبيح لله كمجموعة مجتمعة؛ لا يُمكن أعتبار الصمت بمثابة حَظْر. وأيضًا في ضوء وجهة النظر السابقة في العهد القديم حول مدى ملاءمة العبادة الموسيقية على هذا النحو، فإن معظم المحافل المسيحية تتضمن بحق، ترانيم تسبيح جماعية في وقت عبادتها.
2) الصلاة
العمل الثاني للعبادة المُتضمَن بشكل أكيد في أجتماع الشركة هو الصلاة. في حين أن بعض أنواع الصلاة (التشفعية مثلاً) لها أغراض أخرى غير العبادة (بعضها). تم أستخدامها بوضوح تجاه الله كتعبيرات عن تسبيح العابدين وخضوعهم وثقتهم. يُمكن أعتبار العديد من المزامير مثل هذه الصلوات، على سبيل المثال، المزامير 51، 83، 86، 88، 130، 141-143.
لقد أستمر المسيحيون الأوائل في الصلاة بثبات، بحسب أعمال الرسل 42:2، والتي يبدو أنها تشير إلى الأنشطة الجماعية. في أعمال الرسل 4، بعد إلقاء القبض عليهم وإطلاق سراحهم من قبل قادة اليهود (الآيات 1-23)، أجتمع بطرس ويوحنا مع مسيحيين آخرين لممارسة الصلاة (الآيات 23-31).
في أعمال الرسل، يتم تصوير الكنيسة على أنها تجتمع خصيصًا لغرض الصلاة، ولكن بشكل أساسي للصلاة من أجل خروج بُطرس الرسول من السجن (الآيات 5، 12). أَوضَح إشارة إلى الصلاة في أجتماع عادي هي رسالة كورنثوس الأولى 15:14-17، وهي فَقَرة تُشير ضِمناً إلى أَنه يُمكن لشخص واحد أن “يقود” الصلاة من أجل منفعة الجميع.
3) العشاء الرباني
العمل الثالث للعبادة في الجماعة المسيحية هو العشاء الرباني، والذي هو “كسر الخبز”، كما في أعمال الرسل 2: 42. أحد أهدافه الرئيسية هو تكريم وتمجيد يسوع المسيح لعمله الخلاصي. وعلى الرغم من أن المسيحي قد يأخذ رموز العشاء الرباني عندما يكون بمفرده، فمن الواضح أن القصد من ذلك هو أن يكون نشاط عبادة جماعي.
يُظهِر سِفر أعمال الرسل 20: 7 أن “كسر الخبز” كان السبب الرئيسي وراء أجتماع المسيحيين الأوائل أسبوعيًا: “وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ، وَأَطَالَ الْكَلاَمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.”
على الرغم من أن كورنثوس الأولى 10: 14-22 و11: 17-34 تتعامل بشكل رئيسي مع المشاكل المتعلقة بالكنيسة نفسها، إلا أن هذه النصوص تُظهِر أن العشاء الرباني كان أحد العناصر المركزية في حياة الكنيسة الجماعية.
4) العطاء المادي
لقد تمّ تضمين وقت العطاء (جمع العشور و/أو القرابين) كعمل مناسب للعبادة الجماعية لسببين:
أولاً، كان روح العطاء ونشاطه بالتأكيد جزءاً من حياة الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 32:4-11:5؛ كورنثوس الثانية 1:8-15:9). وكما هو الحال في العشاء الرباني (أعمال الرسل 20: 7)، فمن الواضح أنه كان مُرتبطًا بمَحفَل الكنيسة المُعتاد في أول أيام الأسبوع، كما تقترح 1 كورنثوس 16: 1-3.
ثانيًا، يُعتبر فِعل العطاء بمثابة حَدَث عبادة، على الرغم من أن الأموال والهدايا الأخرى المُقدَمة قد تكون مُخصَصة لأغراض خيرية أو تبشيرية. (بطريقة مماثلة، تمّ أستخدام العديد من تَقدِمات وذبائح العهد القديم جزئيًا لإطعام الكهنة الذين ساعدوا في تقديمها، على سبيل المثال لاويين 6: 14-18؛ 7: 15-16، 28-34).
نحن نُكرم الله بأعتباره خالق كل الأشياء ومالِكُها، ونَعترف بأنه مصدر كل بركاتنا، ونعتمد عليه في كل أمورنا.
للأطّلاع على دراسة شاملة عن العطاء، الرجاء إضغط هنا.
كيف نعرف أن التسبيح، والصلاة، والعشاء الرباني، والعطاء يجب أن تكون جزءًا من الكنائس المسيحية؟
“ليس بالضرورة أن تكون لها علاقة بأجتماع شركة. إن عدم وجود قائمة محددة وأوامر واضحة لأعمال العبادة الجماعية لا يَمنعنا من معرفة مشيئة الله في هذا الشأن.
فإرادته أصبحت معروفة لنا بطريقتين:
1- موافقة الرسل: جميع أعمال العبادة الأربعة التي نوقِشَت أعلاه مذكورة على أنها تُمارَس بشكل ما من قِبَل المسيحيين المجتمعين، على ما يبدو بموافقة الرسل (أعمال الرسل 2: 42؛ 20: 7؛ 1 كورنثوس 14: 15؛ 16: 2).
وبما أن الرسل كانوا المُعلّمين الأساسيين ذوي السلطة في الكنيسة الأولى، فإننا نَقبَل ممارسة أعمال العبادة هذه بأعتبارها مُلزِمة على الدوام للكنيسة بسلطان الرسل.
2- موجودة في كل الكتاب المقدس: نستطيع أن نعرف إرادة الله للعبادة الجماعية من خلال التعليم العام المُتعلق بالله والإنسان والعبادة كما هو موجود في كل الكتاب المقدس، بما في ذلك العهد القديم. بالطبع نحن في ظل العهد الجديد، ولا تنطبق علينا المتطلبات القانونية للعهد القديم. ومع ذلك، فإن جزءًا صغيرًا نسبيًا فقط من العهد القديم يُوضِّح مجموعة القوانين التي تنطبق فقط على إسرائيل في زمن العهد القديم. يَصِف جزء كبير من العهد القديم العلاقة الموجودة بين الله كإله والإنسان كإنسان. وهذا هو الحال خاصة مع أدبيات الحكمة، مثل المزامير.
مُعظم تعاليم العهد القديم عن العبادة تتجاوز حدود العهد. على سبيل المثال، تُظهِر المزامير بوضوح أن كلاً من الترنيم الجماعي والتسبيح بأستخدام الآلات الموسيقية مناسبان كأعمال عبادة، فقط بسبب مَن هو الله ومَن هو الإنسان. إنَّ عدم وجود أمر صريح أو سابقة واضحة لمثل هذه الممارسات في الكنائس الرسولية الأولى، ليس أمرًا نهائيًا. والتفكير بِخِلاف ذلك هو إنكار لوحدة الكتاب المقدس؛ كما أنه تُرتَكب مُغالطة عند مساواة الصمت بالتحريم، وهو شكل من أشكال الكلام حيث يَصمُت الكتاب المقدس.




