الرجوع الى: لاهوت الحياة الحقيقي
يبدو غريبًا أن الأخبارالمدهشة للكتاب المقدس تتحدث عن ملكوت مختلف (مر 14:1). وسيرة وتاريخ هذه الممالك صعبًا وفظيعًا.
يخبرنا الكتاب المقدس عن الأحداث التاريخية لمملكة تلو الأخرى، تلك الأحداث التي تحولت إلى مصائب. إن إحدى الطريق التي يمكن أن تحدد بها الخطوط العريضة للكتاب المقدس هي أن تحكي قصة الممالك السبع، إلا أن الجزء الأكبر من القصة مليء بالدماء والمآسي. لكننا نشعر بالامتنان لأن نهاية القصة تختلف عن فصولها الكئيبة. فالملكوت الأخير هو الخبر السار الذي كنا نتوق له في كل أجزاء القصة.

يخبرنا تاريخ الكتاب المقدس عن سبع ممالك رئيسية مرتبة حسب ظهورها. إثناء تفكيرك في الملكوت الذي ستعطي له كل ولائك وإنتماءك أو إخلاصك، فتلك هي الممالك التي سوف تختار من بينها. -فكر لبضع دقائق في الخيارات المتاحة وأي ملكوت تريد أن تشارك فيه.
الخيار 1: مملكة مصر:
مصر هى أولى الممالك الكبيرة التي يذكرها لنا تاريخ الكتاب المقدس. صحيح أن مصر كان ودودة لشعب الله المختار، في بعض أزمنة التاريخ القديم. لكن العلاقة كانت علاقة قسوة وشدة لعدة قرون في تاريخ اليهود المبكر. لكي يهرب اليهود من المجاعة، هاجروا إلى مصر. وإستقروا بها وتكاثر عددهم، فخاف ملك مصر منهم وإستعبدهم.
وأمر الملك بقتل كل الأطفال بناء على نوعهم لكي يحد من خطر هذا الشعب، حيث أن الأوامر الملكية قضت برمي الأطفال الذكور عند ولادتهم في نهر النيل. عندما نفكر في مملكة مصر، أي صورة تتبادر إلى الأذهان؟ أطفال ملقاة في النهر.
الخيار 2: مملكة إسرائيل:
خلص الله الشعب اليهودي من مصر بطريقة معجزية بعد قرون من العبودية. وساروا في البرية بعد أن تحرروا إلى الأرض التي وعد الله آبائهم بها.
كانت أرض الموعد، التي كانت تسمى كنعان، عبارة عن قطعة صغيرة من الأرض بين ثلاثة قارات: أفريقيا، وآسيا، وأوروبا. قام قادة اليهود الذين نسميهم “القضاة” بقيادة الشعب في البداية بعد أن دخلوا الأرض. ثم بعد ذلك تبعهم الملوك اليهود. يمكننا أن نفترض أن تلك المملكة ستكون مملكة مثالية، لأن اليهود كانوا شعب الله المختار لكن أغلب مملكة اليهود عانت من مصيبة تلو الأخرى. فقد انقسمت المملكة بسبب الحروب الداخلية إلى مملكتين بعد حكم

ثلاثة ملوك فقط. وغالبًا ما قاد الملوك الشعب لعبادة آلهة أخرى في كلتا المملكتين الشمالية والجنوبية. فأرسل الله أنبيائه إلى المملكتين المنفصلتين، إلا أن الملوك لم يسمعوا لهم بل اضطهدوهم. وعندما نفكر في مملكة إسرائيل القديمة يتبادر إلى ذهننا صورة كئيبة: الأنبياء في زنزانة.
الخيار 3: مملكة بابل:
رفضت مملكة إسرائيل المنقسمة الله إله أبائهم بقسميها الشمالي والجنوبي واتبعت آلهة أخرى. ولذا غزت ممالك أخرى إسرائيل نتيجة لذلك. سيطرت مملكة آشور على الجزء الشمالي أولًا. ثم سيطرت مملكة بابل على المملكة الجنوبية بعد ذلك وقامت بتدمير الهيكل وإحراق أورشليم وتخريبها.
يقدم لنا الكتاب المقدس نظرة عن قرب لمملكة بابل بفضل كتابات الأنبياء مثل إرميا، دانيال، وحزقيال، بما في ذلك الأحداث التي حدثت في تلك المملكة. كتب أيضًا دانيال النبي رؤى من الله تخبرنا عن وجهة نظر السماء في مملكة بابل. فمملكة بابل بحسب إحدى الرؤى هي “رأس من ذهب” لتمثال عظيم. وهي أسد متكبر له أجنحة النسر في رؤية أخرى.
تباهت بابل بمجدها كغيرها من الممالك، وعاقبت بابل ذات مرة ثلاثة أشخاص يهود لأنهم لم ينحنوا للتمثال الضخم بإلقائهم في آتون النار. وعلى الرغم من أن الله أنقذهم من آتون النار وأعطاهم حياة، إلا أننا عندما نتذكر مملكة بابل فإن الصورة التي تتبادر إلى ذهننا هي أن : أتباع الله في الآتون.
الخيار 4: مملكة فارس:
قامت مملكة مادي وفارس بهزيمة مملكة بابل في غضون قرن من الزمان من إحتلالها لمنطقة الهلال من البحر الأحمر إلى الخليج الفارسي. وعاملت هذه المملكة اليهود بود أكثر من مملكة بابل. فعلى سبيل المثال سمحت لليهود بالعودة لوطنهم لبناء ما دمره البابليون. وكانت تلك المملكة بحسب رؤية التمثال العظيم وهي أحد رؤى سفر دانيال، هي صدر التمثال وذراعاه الذين من فضة.
إلا أن هناك رؤية أخرى صورتها بأنها دُب آكل لحماً كثيرا. نقرأ عن أشهر قصة لليهود تحت حكم مملكة فارس عندما صدر مرسوم من مملكة فارس يمنع ويجرم الصلاة لأي شخص آخر سوى الملك لمدة ثلاثين يومًا. فوشى الموظفين الآخرين بدانيال لأنه كان يصلى إلى الله بإستمرار ولم يتوقف عن ذلك أثناء الثلاثين يوما، وصدر الحكم بمعاقبته برميه في جُب الأسود لتمزقة وتلتهمه حيًا. وعلى الرغم من إنقاذ الله لدانيال من الموت، إلا أن الصورة التي تتبادر إلى ذهننا ونحن نتذكر مملكة فارس هي: أتباع الله في جُب الأسود.
الخيار 5: مملكة اليونان:
أخيرًا بعد الصراع الذي احتدم بينهما هزمت مملكة اليونان مملكة فارس ، وإستمر الأسكندر الأكبر المقدوني في نشر الثقافة اليونانية من مصر إلى الهند. تصور لنا رؤية دانيال للتمثال العظيم تلك المملكة بأنها البطن والفخذان من النحاس.
تصور رؤية أخرى هذة المملكة كنَّمِرٍ له أربعة رؤوس وأربعة أجنحة. إنقسمت مملكة الأسكندربعد موته بين أربعة من قادته. جدير أن نذكر اثنين من هؤلاء القادة لأن لهم دور في تاريخ الشعب اليهودي: بطليموس الذي حكم مصر وسلوقوس الذي حكم غرب آسيا(سوريا ). كان الشعب اليهودي في إسرائيل محصورًا بين هذين القسميْن للإمبراطورية اليونانية إلى أن استطاع السلوقيون الانفراد بالحكم وأن يكون لهم اليد العليا واظهرت الأحداث مدى طغيانهم.
قام أنتيوخوس الرابع أبيفانس (الإله الظاهر) وهو أحد ملوك السلوقيين باضطهاد اليهود وفرض عليهم الثقافة الهيلينية (الثقافة اليونانية) بشدة لدرجة أن اليهود ثاروا عليه فيما يعرف بثورة المكابيين. نجحت حرب الاستقلال تلك ويحتفل اليهود بها اليوم فيما يسمى حانوكا (عيد الأنوار).
لكن الرعب من السلوقيين ظل عالقًا بأذهان اليهود، خاصة عملية التدنيس: حيث دخل أنتيوخوس الرابع أبيفانس الهيكل اليهودي وقدم خنزير ذبيحة لزفس على مذبح الهيكل. وبالنسبة للشعب اليهودي القديم، الصورة التى تعبر عن هذه المملكة باختصار: خنزير على المذبح.
الخيار 6: مملكة روما:
إتضح بعد مرور قرن من الزمان على الاستقلال نتيجة لثورة المكابيين أنه حتى الأمة المستقلة التي يحكمها أحفاد الثوار الحقيقيين (المكابيين) لم تكف كضمانة للسلام أو المدنية. فقد اندلعت حرب داخلية ضروس بين اثنين إخوة من المكابيين أدت إلى أن يطلب كلا الأخوين من روما أن تتدخل. فرحبت الأمبراطورية الرومانية الناشئة بالتدخل، وسرعان ما وجد اليهود أنفسهم تحت الحكم الروماني.

تصور رؤية دانيال روما بأنها أكثر الممالك شرًا على الإطلاق: فلها ساقين من الحديد تسحق بهما خصومها. فهي وحش قوي مرعب له أسنان من الحديد وله عشرة قرون. وكانت تلك المملكة تتقدم بواسطة سحق أي شيء في طريقها بل وطئه بأقدامها والتهامه.
شاع إستخدام طريقة من طرق الإعدام في الإمبراطورية الرومانية تجمع بين التعذيب والإهانة: وهي الصلب. وبالرغم من الفظائع المرتبطة بهذه المملكة، فصورة مملكة روما التي تتبادر إلى الأذهان بالنسبة لدارسي تاريخ الكتاب المقدس هي: المسيح على الصليب.
الخيار 7: ملكوت الله:
اضطهدت الإمبراطورية الرومانية اليهود بوحشية أكثر من الإمبراطورية البابلية في القرون السابقة. فحدثت ثورتين مهمتين لليهود ضد الرومان في القرون الأولى الميلادية. قام الرومان بتدمير أورشليم بعد الثورة الأولى (66-70م) بما في ذلك الهيكل. ثم قاموا بتشتيت اليهود من وطنهم بعد الثورة الثانية (132-136م) ومحوا كل التأثير اليهودي، وأعادوا صياغة الدولة في قالب وثني.
حاولت روما أيضًا سحق حركة جديدة لليهودية كانت قد ظهرت، تلك الحركة بمعلم كان نجارًا اسمه يسوع الناصري. وعند مقارنة مجموعة التلاميذ الودعاء ليسوع بكتائب الجنود الرومان، فكفة الميزان تميل بكل وضوح لصالح الرومان. لكنهم لم يكونوا هم الرابحين – ولا ينبغي أن يتفاجئ دارسو تاريخ الكتاب المقدس من ذلك. لأن الأنبياء سبق وأخبروا من زمن بعيد عن ملكوت جديد سيأتي سيدوم وتفوق قوته قوة روما.
يقدم لنا دانيال تغييرًا كبيرًا بعد أن يصف رؤية التمثال العطيم:
كُنْتَ تَنْظُرُ إِلَى أَنْ قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ، فَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ اللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا.فَانْسَحَقَ حِينَئِذٍ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ الْبَيْدَرِ فِي الصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَكَانٌ. أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلاً كَبِيرًا وَمَلأَ الأَرْضَ كُلَّهَا.(دا 34:2-35)
تصور لنا رؤية دانيال أربعة ممالك وأربعة حيوانات تنتهي بنفس الطريقة.
كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ.فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ.(دا 13:7-14)
أعلن يسوع بكل حماس عن ذلك الملكوت في أولى كلماته التى دونها لنا إنجيل مرقس:

“وَيَقُولُ:«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ».”(مر 15:1). يبدو إننا تعبنا الآن من الممالك. لكننا نعرف الآن عن شكل هذا الملكوت الجديد. ملكوت تحكمه المحبة والقداسة؟ ملكوت يجد فيه الطريد والمرفوض مكانًا ومليء بالنعمة والتحنن؟ ملك يضحي بحياته من أجل أعدائه السابقين؟ إذا كان هذا الملكوت بهذه المواصفات، إذًا فأنا أول من يرغب في
الانضمام إليه. فقد تعبنا وخُدِعنا من الممالك التي تعد بالسلام لكنها تبث الرعب مثل:
- أطفال في النهر.
- أنبياء في الزنزانة.
- أتباع الله في الآتون.
- أتباع الله في جُب الأسود.
- خنزير على المذبح.
- المسيح على الصليب.

إن ما يجعل ملكوت الله هو الملكوت الذي لطالما كنا نتوق إليه بالرغم من كل هذا العدد الكبير من الملوك الذين أتوا قبله وطلبوا منا أن نسجد لهم، هو أننا وجدنا أخيرًا الملك الذي يستحق أن نقدم له السجود والعبادة. إن نظرتنا لملكوته تخالف الممالك السابقة التي اتسمت بالأنانية، والاستيلاء على الثروات وتمجيد الذات، وهي نظرة مختلفة وجميلة: “وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ …وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ:«مُسْتَحِق أَنْتَ»”(رؤ 6:5، 9). الملك الذي يمكن أن نثق به جالسًا على العرش. الملك الذي يحبنا ويسود علينا. يسوع هو الملك. يا للروعة والراحة والسعادة! وأفضل صورة لملكوت الله هي: الخروف على العرش.




