الرجوع الى: لاهوت الحياة الحقيقي
ما هو الملكوت الذي ينبغي أن يكون له ولائك؟ إليك بعض الأفكار التي تساعدك وأن تفكر في هذا السؤال.
تُظهر الكنيسة ملكوت الله … حقًا؟
ملكوت الله هو المجال الذي تُعمَل فيه مشيئة الله في الأرض كما في السماء من خلال حُكم وسيادة يسوع الملك. أين نرى ملكوت الله يعمل بكل وضوح؟ في الكنيسة. الكنيسة هي محفل أو جماعة لشعب الملكوت يظهرون سيادة الله وسلطانه من خلال يسوع الملك. أليس ذلك صحيحًا؟

نقرأ أحيانًا في الأناجيل عن ملكوت الله – ملكوت شعب الله الذي يطلب البر، ويغفر، ويصنع السلام، شعب الله الذين هم نورفي وسط الظلمة (راجع موعظة يسوع على الجبل) – ونتذكر في الأزمنة الماضية التي كنا نرى فيها الكنيسة ممتلئة بأعمال إكرام الله ، والتضحية بالنفس. لكن أحيانًا عندما نقرأ عن ملكوت الله – نرى أن الكنيسة التي نحضرها الآن لا ترقى لمعايير هذا الملكوت.
كيف يمكن إظهار سيادة وسلطان ملكوت الله:
موعظة يسوع على الجبل (متى 5-7) هى أفضل مكان نكتشف فيه قيم ومواصفات سيادة وحكم ملكوت الله. لكن عندما ننظر إلى الموعظة على الجبل نظرة جادة، نرى، للأسف، بوضوح يشوبه الألم أن الكنائس تبتعد عن حياة قيم الملكوت.
هذه هي لمحة سريعة عن الموعظة على الجبل:
- تلاميذ يسوع متضعين، ودعاء، رحماء، وعطاش للبر والعدل (مت 3:5-10).
- تلاميذ يسوع هم نور العالم وملح الأرض، يضيئون كأنوار في وسط الظلمة ويحافظون على تميزهم كأتباع للمسيح (مت 13:5-16).
- تلاميذ يسوع يبتعدون عن الكراهية، والغضب، والشهوة، والطلاق، وعدم الأمانة؛ يتصالحوا بسرعة مع الآخرين ويحبوا حتى اعدائهم (مت 17:5-48).
- تلاميذ يسوع يعطوا المحتاجين، ويصلوا، ويصوموا من أجل التواصل مع الله ولكي يمجدوه – ليس لكي ينالوا إعجاب الآخرين (مت 1:6-18).
- تلاميذ يسوع يطلبوا أولًا ملكوت الله وبره، ويكنزوا لهم كنوزًا في السماء ويرفضوا الهم والطمع (مت 19:6-34).
- تلاميذ يسوع يرفضوا الإدانة ويعملوا للناس كل ما يريدوا أن يفعل الناس بهم (مت 1:7-12).
- تلاميذ يسوع يرفضون الاستماع إلى المعلمين الكذبة، ويمارسوا كلمات يسوع عمليًا ليعملوا مشيئة الله، ويسعدهم أن يسيروا في الطريق الضيق الذي يؤدي إلى الحياة الأبدية (مت 13:7-27).
عندما تنظر إلى كنيستك ترى أحيانًا أنها تمارس تلك القيم والسلوكيات. وأحيانًا أخرى تشعر بالاحباط لأن الكنيسة لا تبدو كذلك وتبتعد عن هذه القيم.

كيف يجب أن تكون نظرتنا للكنيسة عندما نشعر بالاحباط بسبب فشلها في إظهار سيادة وسلطان ملكوت الله؟ أولًا، ننظر إلى الكنيسة من خلال عدسة ما قاله يسوع عنها. ثانيًا، ننظر إلى الكنيسة من خلال ما فعله يسوع من أجلها.
ماذا قال يسوع عن شعب الكنيسة:
قال يسوع بعض الأمثال في متى 13، ليشرح كيف أن الكنائس تفشل أحيانًا في إظهار سيادة وحكم ملكوت الله. إليك تلخيصًا لهذه الأمثال وما تعلمنا إياه عن شعب الكنيسة:
- مثل الزارع والأرض: قال يسوع مثلًا عن زارع رمى البذار على أنواع مختلفة من الأرض: الطريق، الأرض المحجرة، الأرض الجيدة. وبحسب هذا المثل، ليس كل من يسمع كلمة الله (وليس كل من يأتي إلى الكنيسة) يقبلها في قلبه ويعمل بها. فمجرد سماع الكلمة لا يعني إطاعتها والعمل بها (مت 3:13-23).
- مثل السمك والحنطة: قال يسوع مثلين ليبيِّن أن ليس كل شخص يظهر نفسه وكأنه تلميذ هو حقا تلميذاً حقيقياً ليسوع. ففي مثل السمك، يجمع الصياد كل أنواع السمك في الشبكة، لكنه يفصل بين الجيد والرديء. وفي مثل الحنطة، يزرع العدو زوانًا في حقل الحنطة فينتظر الزارع إلى وقت الحصاد ثم يفصل الحنطة عن الزوان. فالذهاب إلى الكنيسة والظهور بمظهر المؤمن لا يعني أن الشخص مؤمن حقيقي (مت 47:13-50؛ 24:13-30).
- مثل حبة الخردل والخميرة: قال يسوع مثليْن عن كيف أن ملكوت الله يبدأ صغيرًا ثم ينمو. في هذين المثلين، تنمو حبة الخردل وتصير شجرة كبيرة. وتعمل الخميرة الصغيرة في كل أكيال الدقيق لتخمير العجين. وبنفس الطريقة فإن مجرد البداية كمؤمن لا تعني أن الشخص مؤمنُ حقيقيُ. فإن لم نسمح لملكوت الله أن يتعامل مع حياتنا ومع كنائسنا فسوف نقشل في إظهار سيادة وحكم وسلطان ملكوت الله (مت 31:13-33).
- مثل الكنز واللؤلؤة: قال يسوع مثلين يصف بهما التكلفة التي تصاحب الحصول على مواطنة ملكوت الله. يصف كل من المثلين شخص يجد شيء لا يقدر بثمن فيبيع كل شيء ويشتريه. فيجب أن نتصور تكلفة التلمذة بنفس الطريقة. فمجرد النظر من الخارج دون دفع ثمن لا يعني أن الشخص تلميذ حقيقي (مت 44:13-46).
نرى من خلال هذه الأمثال أربعة أسباب لفشل شعب الكنيسة في إظهار سيادة وسلطان ملكوت الله:
- يسمع بعض شعب الكنيسة فقط ولا يعمل.
- يتظاهر بعض شعب الكنيسة بمظهر المؤمنين.
- يبدأ بعض شعب الكنيسة فقط بتبعية يسوع دون الاستمرار.
- لا يهتم البعض من شعب الكنيسة بتكلفة التلمذة.
وبالرغم من كل هذه الأسباب فلا يجب أن نفقد الثقة في الكنيسة. صحيح أنه هناك أسباب تدفعنا أحيانًا لترك كنيسة محلية معينة والانضمام إلى كنيسة أخرى – مثلًا، لم يعد قائد الكنيسة يعلم الحق الكتابي بروح المحبة. لكن في معظم الأحيان ليس ذلك هو الوقت لكي تترك الكنيسة لتذهب إلى كنيسة أخرى، بل أن تلك الأسباب التي ذكرناها تدعوك لكي تثبت في إرساليتك: أن تكون تلميذًا يتلمذ آخرين.

وسوف تظهر الكنيسة سيادة وسلطان ملكوت الله عندما تقوم أنت والآخرين بذلك.
كيف يجب أن ننظر إلى الكنيسة عندما تفشل في إظهار سيادة وسلطان ملكوت الله؟ نقول مرة أخرى، أولًا: ننظر إلى الكنيسة من خلال عدسة ما قاله يسوع عنها. ثانيًا: ننظر إلى الكنيسة من خلال ما فعله يسوع من أجلها.
ماذا فعل يسوع لأجل الكنيسة:
كيف يمكن أن تحب كنيسة لم تكن تروقك أبدًا؟ الطريقة هي أن نتذكر ما فعله يسوع لأجلها. تكلم الرسول بولس مع قادة الكنيسة (خاصة الشيوخ) الذين عيَّنهم في مدينة أفسس لأنه كان ذاهبًا إلى أورشليم ولن يراهم مرة أخرى. فقام بتشجيعهم وقدم لهم إرشادات نهائية، أحد التعليمات التي قدمها لهم هي: “اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ ” (أع 28:20).
هل رأيت الثمن الذي دفعه يسوع في الكنيسة؟ “كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ”. فمن الواضح أن الكنيسة تستحق أن يسفك يسوع دمه لأجلها. فلا يوجد شيء يمكن أن يكون أثمن وأغلى منها على ظهر هذا الكوكب – إذ إنها كانت تستحق سفك دم ابن الله.
ربما تشعرنا الكنيسة بالاحباط في بعض الأحيان بسبب فشل شعب الكنيسة في إظهار سيادة وسلطان ملكوت الله في حياتهم. لكن لأن الكنيسة استحقت دم ابن الله فلذلك فهي تستحق بكل تأكيد أن نعطي لها وقتنا، وجهدنا، ومحبتنا.
هل أنا شخص مُحب؟
سمات ملكوت الله هي القداسة والمحبة. فالقداسة هي أسلوب حياة للانفصال أو “التميز والانعزال” عن طرق العالم لكي نتكرس لله ولملكوته . والمحبة هي عمل على هيئة صليب حيث يمجد هذا العمل الله ويفيد شخص آخر. عندما سألوا يسوع عن أهم وصية يمكن أن نستمر في السعي فيها طوال حياتنا، أجاب يسوع، إنها المحبة:
فَأَجَابَهُ يَسُوعُ:«إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ».(مر 29:12-31)

إن كنت مواطنًا في مملكة الله، فعليك أن تسأل نفسك، هل أن شخص مُحب؟
هل تعرفون الفنجان الكبير المكتوب عليه أنا أحب نيويورك (أنا+قلب+نيوريوك)؟ فلو كان عند ذلك الفنجان الكبير فذلك معناه أنك زرت مدينة نيويورك، وكانت الرحلة ممتعة جدًا. ولدي أنا (دانيال) صديق عنده هذا الفنجان الكبير (أنا أحب
نيويورك)، لكنها كان لديها سببًا مختلفًا لإقتناء ذلك الفنجان الكبير. فقد إحتاجت مدينة نيويورك إلى أفراد الطاقم الطبي أثناء جائحة كورونا. وكانت صديقتي تعمل ممرضة جراحية في ولاية أخرى في ذلك الوقت. ولم تقم المستشفي التي تعمل بها بإجراء عمليات جراحية معينة بسبب جائحة كورونا، لذلك أرادت أن تذهب إلى مدينة نيويورك حيث يحتاجون إلى المساعدة.
اختارت أن تعمل في نيويورك بدون أجر بدلًا من أن تستمر في العمل بأجر. فقد أخبرتها المستشفى: “إذا ذهبتي فسوف نستغنى عن خدماتك” (بمعنى لن يعود لك مكان للعمل معنا في المستشفى). وتركت وظيفتها نتيجة لذلك وذهبت إلى مستشفى ميداني في نيوريوك، وعملت في دوام اثنتي عشرة ساعة لمدة أسبوعين متواصليْن.
بعدها تم إغلاق المستشفى الميداني عندما قلت أعداد المصابين بكوفيد 19، وعادت إلى الولاية التي تعيش فيها. لكنها قررت القيام بعمل شيء واحد مثل ما يفعله السياح قبل العودة: اشترت الفنجان الكبير المكتوب عليه أنا أحب نيويورك. إذًا فذلك الفنجان يقول أكثر من مجرد: “لقد زرت مدينة نيويورك، واستمتعت جدًا بالرحلة”. لكنه يعني شيئًا أكثر عمقًا، أليس كذلك؟
عندما يقول الله: “أنا أحبك” فهو لا يقول: “أن أجد هذا الشخص حلو المعشر وهو يتبع كل وصاياي دائمًا بكل دقة. وأنا أحب هذا الشخص فقط لأنه لم يخزلني أبدًا بسبب إتخاذه لقرارات خاطئة”. لا، فمحبة الله أعمق من ذلك، ولابد أن نكون ممنونين جدًا له. لماذا؟ لأننا نعرف حقيقة أنفسنا وأنها لا تدعو للفخر.
لكن شكرًا لله لأن محبته لنا لا تتأرجح صعودًا وهبوطًا بناءً على وجود شيء يُحَّب فينا. لكنها محبة ثابتة لأن أساسها هو أمانته. كما يعبر مزمور 29:118 عن ذلك قائلًا: “احْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ.”
فماذا عنك؟ دعني أذكرك مرة أخرى أن أعظم وصيتين أعطاهما لنا يسوع هما أن نحب الله وأن نحب الآخرين (مر 30:12-31). فهل أساس محبتك هو مدى تمتعك بالعلاقة الآن؟ وهل مقدار محبتك يتوقف على شعورك الجيد في هذه اللحظة؟ أم أنت محبتك قائمة على أساس متين؟
يمكن لمحبتنا أن تكون أمينة ومُكرَّسة حتى عندما لا نشعر بذلك شخصيًا. -كيف؟ -نحب كتجاوب مع مَنْ لن يخزلنا أبدًا: “نَحْنُ نُحِبُّهُ(الله)لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً.”(1يو 19:4)




