الرجوع الى: لاهوت الحياة الحقيقي
بعد أن تصف هلاكنا بدون يسوع، تقول رسالة أفسس 8:2-10 أننا مخلصون “بِالنِّعْمَةِ، بِالإِيمَانِ”. يمنحنا الله النعمة، ونحن نتجاوب بالإيمان. لكن ما هي النعمة؟
بالنسبة للمبتدأين، الكلمة اليونانية للنعمة هي charis (من المفيد أن الكلمتين اليونانية والإنجليزية متقاربتين في النطق charis – grace) وقبل أن يأخذ المسيحيون كلمة النعمة charis ويربطوها بالإنجيل، كانت تلك الكلمة مفيدة في وصف علاقة الكفالة (سوف نشرح ذلك) وتُستخدم أيضًا للتحية اليومية – لذلك ليس من المستغرب أن يستلموا رسالة من الرسول بولس تبدأ بـ “نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ”.17
كانت علاقة الكفالة أو المحسوبية patron-client هي “اللبنة الأساسية في بناء المجتمع اليوناني الروماني”18 فإن لم تكن واحدًا من الأثرياء القلائل، فمن المهم أن تربط نفسك بـ “راعي” أو كفيل ثري لكي يتوفر لك بعض المال لكي تستطيع العيش، وفي مقابل ذلك الخير المادي الذي يقدمه الكفيل، يقوم الشخص المكفول client بخدمته وإظهار التبجيل والإكرام العلني له في كل الفرص السانحة.
تشير كلمة نعمة charis إلى التوجه الذي ينطوي على الإحسان الذي يظهره الكفيل للمكفول وأيضًا الهدايا والعطايا الأخرى التي يمنحها له. ويمكن أن تشير أيضًا إلى الامتنان والعرفان بالجميل الذي يقدمه المكفول إلى الكفيل. ومن المثير للاهتمام أن نعرف أن المكفول مدين للكفيل بشيء آخر وما ما نسميه pistis (وهي الكلمة المستخدمة في الكتاب المقدس بمعنى “إيمان/ أمانة”، “ثقة” أو “ولاء/ إنتماء”). دعونا نستوعب هذه الفكرة: المكفول يقبل النعمة charis ويتجاوب بتقديم الإيمان والثقة والولاء pistis.
من الواضح أن كلمة نعمة لها معاني عديدة حتى قبل أن يستخدم العهد الجديد تلك الكلمة. ولا غرابة في ذلك إذ أن الكثير من مفردات اللغة الإنجليزية أو العربية لها عدة معاني. فمثلًا كلمة “bard” لها معنى واحد وهو (شاعر مُغنِّي)، لكن كلمة “board” لها عدة معاني بينها روابط لكنها معاني متمايزة: سطح مستوي (أصبح المعني أوسع ليعني طاولة، مائدة)، مجلس إدارة (مجموعة مسؤولين يجلسون حول الطاولة)، وجبات طعام (غرفة ووجبات طعام، لأنك ستأكل على الطاولة). نرى في هذه الحالة أن كلمة نعمة charis تُستخدم مثل كلمة “board” أكثر من كلمة “bard”.

كلمة نعمة charis في العهد الجديد تعني أحيانًا شيء ملموس (مثل هدية تُعطى، أو إحسان يُمنح)، وتصف مرات أخرى حقيقة عامة (مثل إحسان الله أو نعمته لنا).
حتى عندما تشير كلمة charis بوضوح إلى نعمة الله، فمن الصعب وضع تعريف واحد للكلمة وحصرها فيه. ومن المفيد أن نفكر في النعمة بكلا المعنيين
- الإحسان الذي يظهره الله. 2. العطايا التي يمنحها.
ربما يكون هناك الكثير، لكن نذكره هناك ثماني طرق تتعامل بها نعمة الله معنا:
- لنا:
النعمة هي عطية، والعطايا توهب للناس. كما كتب الرسول بولس: ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح”. “النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا” (رو 6:12). لأن الله أعطانا نعمته، فيمكن أن نتجاوب بالإيمان ونَخلُص. (ومن الملفت للانتباه إنه في العالم اليوناني الروماني عندما كانت تعطى عطية النعمة charis، يتعين على متلقي العطية أن يرد بعطية أخرى – وإلا ستكون إشارة للتعبير عن رفضه للهدية أو العطية. يتجاوب المؤمنون مع عطية نعمة الله بتقديم عطية الإيمان/ الولاء)19
- حولنا:
عندما نقبل نعمة الله بالإيمان، نحيا في النعمة. تصبح بيتنا الجديد الذي نقيم فيه. بيسوع ” صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ” (رو 2:5). لقد خلصنا ونعيش “في نعمة المسيح” (غل 6:1). والآن فالنعمة تحيط بنا لأن الله تبنانا في عائلته.
- فوقنا:
لقد عشنا قبلًا في عبودية الخطية، لكن الآن لنا سيد جديد: النعمة. “لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ.” (رو 14:6). النعمة تسودنا: “حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.” (رو 21:5).
- تحتنا:
نعمة الله هى الأساس الراسخ التي نقف عليه. نعتمد عليها. لا نتكل على “حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ” (2كو 12:1). شكرًا لله لأجل نعمته التي تكفي (2كو 9:12). لن تخذلنا عندما نستند عليها (1بط 12:5).
- أمامنا:
نعمة الله تتقدمنا دائمًا. تصور لنا رسالة العبرانيين عرش الله إنه عرش النعمة الذي يمكن أن نتقدم إليه دائمًا عندما نعاني من المشكلات والصراع. وعندما نتقدم يمكن أن يكون لدينا الثقة الكاملة أننا سنجد نعمة هناك : “فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ.” (عب 16:4).
- معنا/ فينا:
نعمة الله مع شعبه (غل 18:6). نعمته تقوينا (أ 9:3). يمكن أن تملأنا (أع 8:6)، ويمكن ان تنمو فينا (2بط 18:3). نعمة الله تعمل داخلنا بقوة لامتداد ملكوت الله (أع 33:4).
- منا:
ليس الهدف من نعمة الله أن تنسكب داخلنا وتظل هناك كما لو أننا بحيرات مياه راكدة بدون منفذ. لكن نعمة الله تحركنا لننقلها إلى الآخرين (كو 13:3). تدعونا النعمة لنحيا حياة مقدسة (2تي 9:1). وتجهزنا وتعدنا للخدمة (رو 5:1؛ 6:12). كما يقول عنها الرسول بولس: “وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً” (1كو 10:15).
- تتبعنا:
تتبعنا النعمة بطريقة ما مثل شخص يتبع شخص آخر دون أن يغيب عن نظره. فقد تبعت النعمة بولس حتى عندما كان يكره يسوع ويضطهد المؤمنين به. ويصف لنا كيف غيرت النعمة هويته: “لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي.” (1كو 9:15-10). النعمة تتبعنا دائمًا، يسميها الرسول بولس “النِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِالأَكْثَرِينَ” (2كو 15:4) أي النعمة التي تصل إلى أناس أكثر وأكثر.

إن الحقيقة الرائعة عن النعمة هي أنه كلما تعمق وإزداد إيمانك بيسوع كلما فاضت نعمة الله العجيبة. ربما لا نستطيع وضع تعريف دقيق للنعمة، لكننا ممتنين لأن نعمة الله هي التي تظهرنا وتُعرِّفنا. فنقول مع الرسول بولس: “وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا”. بجانب إظهارها وتعريفها لنا فإن نعمة الله تغمرنا. كما هو مكتوب في يوحنا 16:1 “وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.”. أمواج وفيض من النعمة من كل إتجاه. وهناك المزيد قادم أيضًا:
وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ،لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.(أف 6:2-7)
فكيف نتجاوب مع هذه النعمة؟ نتجاوب بأن نؤمن بيسوع، أي نؤمن بما يقول، ونثق أنه يخلصنا، ونظل أمناء ومخلصين له كمخلصنا وربنا وملكنا.
كيف نؤمن بيسوع لكي نخلص؟ كما ذكرنا آنفًا، نرى في العهد الجديد تعبيرات عن الإيمان تصف كيف نؤمن بيسوع ونكون “مولودين ثانية”.
- نتوب عن طرق حياتنا القديمة (“التوبة”).
- نعترف علنًا أن يسوع هو مخلصنا، وربنا، وملكنا (“الاعتراف”).
- نعتمد باسم الآب، والابن، والروح القدس (“المعمودية”).
يشبه الميلاد الثاني …
- تَبَنِّي:
يشير العهد الجديد إلى الميلاد الثاني بوصفه تَبَنِّي. لأنه في هذه اللحظة يتبنانا الله كأبناء له ويضمنا إلى عائلته. ولأنه تبنانا ضمن عائلته نصير ورثة لكل البركات التي تصاحب هذا التبني:
… فِي الْمَحَبَّةِ،إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ،الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ،الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ. (أف 4:1-8)
- حفل زفاف (عُرْسِ):

يصور لنا الكتاب المقدس عبر صفحاته شعب الله بوصفهم العروس، والله هو العريس. ويصور سفر الرؤيا على وجه الخصوص الكنيسة بأنها العروس، ويسوع هو العريس. وهي مجاز أو استعارة، تساعدنا لنرى الميلاد الثاني مثل الزواج. عندما نؤمن بيسوع، نعلن أن ندخل في علاقة معه في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في المرض والصحة، حتى الموت. بالاحتفاظ بتلك الاستعارة في ذهننا يمكن أن نشبه المعمودية بحفل الزفاف.
- العودة للديار:
يشبه الميلاد الثاني كثيرًا العودة للبيت بعد الفرار وجلب العار لاسم العائلة. قال الرب يسوع مثل عن ابن لم يوقر أبيه، وطلب منه ميراثه وهو حي بعد وترك البيت. لكنه بعد ذلك تعرض لمشاكل مادية كبيرة بسبب قرارته الخاطئة وبسبب مجاعة جعلت الوضع الاقتصادي يتردى. ووجد نفسه فقيرًا معتازًا يشتاق إلى بيت أبيه. فقرر العودة للبيت، والاعتذار، وطلب أن يقبلوه كأحد العاملين بالأجر. فلما رأى الآب ابنه آتيًا من بعيد، ركض إليه واحتضنه. ولم يكمل الابن إعتذاره لان أباه قاطعه قائلًا: “لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ!” و “أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ” و “نَأْكُلَ وَنَفْرَحَ!”. ذلك ما يشبهه الميلاد الثاني.




