كيف يمكنني التأكد من خلاصي؟
“ضمان مبارك، يسوع لي! أوه، يا له من مذاق لمجد إلهي!”
“عندما يتم استدعاء قائمة الأسماء هناك، سأكون بينهم.”
“نعم، اسمي مكتوب هناك على الصفحة بيضاء وعادلة، في كتاب ملكوت الله – نعم أسمي مكتوب هناك!”
“لننطلق إلى الجائزة التي أمامنا! قريباً سنرى جماله، قريباً ستُفتَح البوابات اللؤلؤية وسنمشي على شوارع الذهب.”
تُعبّر العديد من الترانيم المفضلة لدينا عن التوقع الواثق للحياة الأبدية. نغني هذه الترانيم أحد بعد أحد. لكن هل نعني ذلك حقًا؟ هل نعتبر أنفسنا حقًا “مستعدين ليوم الدينونة”؟
يعلّمنا الكتاب المقدس بالتأكيد أن لدينا ضمان. نعرف أن أنفسنا ستكون مطمئنة وآمنة في محبة الله. هذا هو معنى كلمة رجاء في الكتاب المقدس. الرجاء في الكتاب المقدس ليس التمني أو الرغبة غير المؤكدة. إنه توقع واثق ومؤكد لشيء جيد. يُطلق عليه الرجاء فقط لأن موضوعه لا يزال في المستقبل، وليس بسبب أي شك.
هناك قدر كبير من التفكير المشوش حول ضمان الخلاص. يذهب البعض إلى التطرف غير الكتابي، مؤكدين أنه بمجرد أن يخلص الشخص يمكنه التأكد من أنه لن يضيع مرة أخرى أبدًا. من ناحية أخرى، ينكر العديد من المسيحيين المُخلَصين إمكانية وجود أي ضمان على الإطلاق. بدلاً من الغناء “نعم أسمي مكتوب هناك” ، يمكنهم فقط طرحه كسؤال: “هل أسمي مكتوب هناك؟” أبدى شيخ في كنيسة محلية هذا الشك الشائع عندما خاطب فصله في مدرسة الأحد بهذه الكلمات: “إذا حصلت على الحياة الأبدية – وأؤكد على – إذا.”
لا يزال آخرون يؤكدون أن هذا الضمان ممكن، لكنهم لا يمتلكونه شخصيًا لأن لديهم فكرة خاطئة عن أساسه. يعتقدون أن الضمان يستند إلى شيء ليس لديهم أو لم يختبروه بعد. الشك وعدم اليقين لا يزالان يسودان في حياتهم.
سنسعى في هذا الفصل إلى كشف الأفكار الخاطئة والأسس الزائفة للضمان. ثم سنستكشف الأساس الصحيح الوحيد لليقين المسيحي، أي محبة الله ونعمته كما يتضح من عمل المسيح وكما تم الحصول عليه من خلال التبرير بالإيمان في المعمودية.
أولاً: الضمان والقدر
بدأت عقيدة الضمان الأبدي أو ” خلُصت مرة، دائماً مُخلّص ” من زعيم كنيسة في شمال إفريقيا يُدعى أوغسطينوس، توفي في 430 بعد الميلاد. كانت في الأصل جزءًا من نظام أو مجموعة من المذاهب المعروفة لكثير من الناس اليوم بأسم الكالفينية.
بدأ أوغسطين بفكرة أن كل شخص فاسد تمامًا منذ الولادة. نتيجة لذلك، لا أحد قادر على الإيمان والأستجابة لبشارة الإنجيل بإرادته الحرة. ولذلك يختار الله بنفسه من سيؤمن ويخلص. الله قام بهذا الأختيار قبل خلق العالم. هذا ما يُعرف بالأختيار أو القدر غير المشروط. (إنه غير مشروط لأن الله لم يطالبنا بتلبية أي شرط لأن نكون مختارين). في الوقت المناسب، يفتح الله قلوب أولئك الذين عيّنهم سلفًا. يُدير إرادتهم ويجعلهم يؤمنون بالإنجيل. (وهذا ما يسمى “نعمة لا تُقاوَم”.)
بمعنى آخر، يتحكم الله في عملية الخلاص من البداية للنهاية. إراداتنا لا علاقة لها بها. الله يتجاهل إرادتنا ويجعلنا نؤمن. وبنفس الطريقة يستمر في تجاوز إرادتنا بمنعنا من فقدان إيماننا وخلاصنا. ومن ثَمَ ” خلُصت مرة، دائماً مُخلّص.”
هذا النظام برمّته يقوم على فكرة خاطئة عن الفساد التام. صحيح أن الخاطئ لا يستطيع أن يقوم بأعمال صالحة وأن يعيش حياة طاعة لشريعة الله (رومية 8: 7-8). لكن شيئًا واحدًا واضحًا في الكتاب المقدس: يمكن لكل خاطئ أن يقرر الأبتعاد عن الخطيئة وتسليم نفسه لله الذي يجدده بعد ذلك ويمكّنه من العيش وفقًا للقانون الإلهي. الله لا يُجبر أحداً. الله يدعو: “مَن يعطش فليأتِ. ومَن يُرِد فليأخذ ماء حياة مجانًا” (رؤيا 22: 17).
يتضمن هذا النظام أيضًا فهمًا خاطئًا للقدر. لا يقدّر الله على خطاة فاسدين ليصبحوا مؤمنين. لقد عيّن مسبقًا أشخاصًا معينين للحياة الأبدية، ولكن فقط لأنه عَلِم مسبقًا أنهم سيقبلون دعوته بِحُرية ويصبحوا مؤمنين بأختيارهم.
توضح رسالة رومية 8: 29: “لأن الذين سَبق فعرفهم سَبق فعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة أبنه …” (“مشابهين صورة أبنه” هي الحالة الممجدة بعد القيامة التي سنشاركها مع المسيح في الحياة الأبدية).
وهكذا فإن الله لا يُبطل إرادة الإنسان ليأتي به إلى الخلاص. وبالمثل، لا يتخطى الله إرادتنا للحفاظ على خلاصنا. يوضح الكتاب المقدس أن المؤمن لن يخلص إلا إذا أستمر في إيمانه. انظر على سبيل المثال، كولوسي 1: 23 ؛ عبرانيين 3: 6-14 ؛ 4: 1 ، 11 ؛ 6: 4-6.
تستمر بعض الطوائف في التمسك بعقيدة “خلُصت مرة، دائماً مُخلّص” ، بينما ترفض الفساد التام، والأختيار غير المشروط، والنعمة التي لا تقاوم. بعبارة أخرى، يتمسكون بأعتقاد لا معنى له إلا في إطار معين على الرغم من أنهم رفضوا بحق الإطار نفسه.
الخطوة المناسبة التالية هي رفض عبارة ” خلُصت مرة، دائماً مُخلّص ” أيضًا.
يعلمنا الكتاب المقدس الضمان، ولكن ليس الضمان غير المشروط الذي يتجاهل إرادة الإنسان وينتهك حريته في الأختيار.
ثانياً: الضمان والأختبار
الفكرة الشائعة اليوم هي أنه إذا كان لديك نوع معين من المشاعر أو الأختبار، فيمكنك أن تعرف أنك قد خلُصت. قد يختلف نوع الأختبار. بالنسبة للبعض سيكون الشعور بالدفء والوخز يشعر به أثناء الصلاة. بالنسبة للآخرين ستكون القدرة على “التكلم بألسنة”.
مهما كان الأختبار فإن الفكرة هي نفسها. إذا كنت قد مررتَ بهذا الأختبار أو شعرتَ به أو فعلتَه فأنت مخلّص. يتوصل الكثيرون أيضًا إلى الأستنتاج المعاكس: إذا لم يكن لديك مثل هذا الأختبار، إذاً أنت لست مخلّص.
ومع ذلك، يجب أن نُصّر على أن هذا النهج برمته خاطئ. في المقام الأول، أي شعور شخصي هو غامض. بمعنى أنه يمكن تفسيره بعدة طرق. كيف نعرف أننا نفسّر مشاعرنا بشكل صحيح؟ هذا مهم بشكل خاص عندما نحاول تمييز أصل أو سبب أي شعور شخصي. كيف يمكننا أن نتأكد من أن “التحدث بألسنة” ليس مرتبط نفسيًا أو ناتجًا عن قوى شيطانية؟ هذا الغموض المتأصل يجعل الأختبار أساس ضعيف للضمان.
كما أن المشاعر والأختبارات عرضة للتغيير المتكرر. قد يكون لدينا شعور رائع اليوم، ونستنتج أننا نخلص حقًا. ولكن ماذا لو مررنا بتجربة مأساوية غدًا أو أستيقظنا نشعر بشعور بغيض جداً؟ هل يجب أن نستنتج بعد ذلك أننا لم نخلص؟
أخيرًا، لم تقل كلمة الله في أي مكان أن شعورًا أو أختبار ذاتي معين هو علامة أكيدة للخلاص الشخصي. إن ضماننا مرتبط بأحداث موضوعية كما سنرى أدناه. من ينظر إلى أعماق نفسه لن يجد أساسًا حقيقيًا للرجاء.
ثالثاً: الضمان والأعمال الجيدة
ربما يكون النهج الأكثر حزنًا هو ذلك الذي يربط بين ضمان الخلاص بدرجة معينة من الخير الشخصي. هنا يفكر الشخص عادة من منظور أن يكون “جيدًا بما يكفي” ليخلص. إنه يفكر وفق القانون وليس بالنعمة.
بشكل لا يصدّق، قد يقرر البعض أنهم بالفعل جيدون بما يكفي ليخلصوا، وقد يكون لديهم شعور قوي بالضمان. لكن هؤلاء الناس يخدعون أنفسهم مثل الفريسي في مَثَل يسوع (لوقا 18: 9-12).
ومع ذلك، فإن معظم الناس الذين يعتمدون في الضمان على الخير يتوصلون إلى نتائج مختلفة. كثيرون منهم يدركون أننا خطاة لا نستحق أن نخلص. وكثيرون منهم يميزون أنه حتى ونحن مسيحيين، ما زلنا غير مثاليين. نحن نقصّر عن تحقيق هدفنا يوما بعد يوم. فكيف نقول إذن أننا قد خلصنا؟ أليس هذا هو ذروة الكبرياء والوقاحة؟ نحن لسنا جيدين بما فيه الكفاية. ومن ثَم فإن الضمان مستحيل في هذه الحياة. سيعرف المرء أنه مخلّص فقط بعد أن يتم تقييم أعماله والموافقة عليها في يوم الحساب.
يا له من موقف حزين ولكنه شائع بين شعب الله! صحيح أنه لا يوجد أحد صالح بما يكفي ليستحق الخلاص. لكن في ظل النعمة، لا يُمنح خلاصنا لأننا نستحقه أو لأننا صالحين كفاية للحصول عليه. تحت النعمة نحن نخلص بالرغم من أننا خطاة. الخطيئة موجودة لكنها مغطاة بدم المسيح. هذا هو أساس رجاءنا.
بعبارة أخرى، من الخطأ أن نربط ضماننا بدرجة معينة من الخير أو التقديس الذي قد نكون قد حققناه في أي مرحلة من الحياة. مثل هذا النهج ينفي حقيقة أننا مبررون بالإيمان. المفتاح الحقيقي للضمان هو إدراك هذه الحقيقة فقط: نحن نتبرر بالإيمان وليس بأعمال الناموس (رومية 3: 28).
رابعاً: الضمان ووعود الله
إليكم السؤال: إذا كنت ستموت في هذه اللحظة بالذات، فهل ستذهب إلى الحياة الأبدية؟ أغمض عينيك وفكر في إجابتك. ما الذي فكرت فيه أولاً؟ نفسك؟ مشاعرك الخاصة، أو الأختبارات التي مررت بها، أو الخير الذي فعلته؟ لا عجب أنك مليء بالشك واليأس! كل هذه الأرض هي “رمال ساحبة”.
وجّه عقلك عوضًا عن ذلك نحو الله؟ هل تذكرت محبته ووعوده وأمانته؟ هل شكرته على نعمته التي هي أعظم من كل خطايانا؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تمكنتَ من الإجابة على السؤال بنعم. هنا فقط – في الله وليس فينا – يكمن أساس الضمان الشخصي.
يرتكز ضماننا في النهاية على وعود الله. نحن، حرفياً، “نعتمد على وعود الله”. لقد وعدَنا أنه يحبنا، وأنه قد غفر لنا، وأنه سيأخذنا إلى السماء. لقد ربط هذه الوعود بأحداث موضوعية معينة حتى نتفهمها ونتأكد منها.
هناك ثلاثة أحداث خاصة تم فيها التجسيد والوفاء بوعود الله. عندما نميل إلى الشك في خلاصنا علينا فقط أن نتذكر هذه الأحداث.
الحدث الأول، هناك حقيقة أن المسيح مات من أجل خطايانا. إن موت يسوع هو الدليل المطلق على أن الله يحبنا. “لكن الله بيّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا” (رومية 5: 8 ؛ انظر يوحنا 3: 16).
عندما نميل إلى الشك إذا كان الله فعلاً يحبنا، يجب أن نتذكر الجلجثة، ضمان الله غير القابل للكسر أنه لنا. “الذي لم يشفق على أبنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شئ؟” (رومية 8: 32) “من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟” لا! لا شيء يمكن أن “يفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا” (رومية 8: 35-39).
بغض النظر عما قد يحدث، لا شيء يمكن أن يغير حقيقة أن المسيح مات من أجلنا. فلماذا إذن نشك في محبته؟
في رومية 5 يجعل بولس هذا الضمان أكثر ثباتًا. يقول أنه إذا أحبنا الله كثيرًا ونحن خطاة لدرجة أنه بذل أبنه من أجلنا، ألن يحبنا أكثر الآن بعد أن تصالحنا معه (الآيات 8 ، 9)؟ “لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه، فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته!” (رومية 5: 10).
الحدث الثاني الذي يؤكد وعود الله لنا هو قيامة يسوع. يعدنا الله بأن يعطينا الحياة: ليقيمنا من الموت الروحي في المعمودية، ويرفع أجسادنا في المجيء الثاني. لماذا نحن قادرون على تصديق هذا؟ لأن الله قد وعد، ولأنه أظهر قدرته ورغبته في القيام بذلك في قيامة يسوع. راجع كولوسي 2: 12.
الحدث الثالث الذي يجسّد وعد الله هو معموديتنا. نحن نعلم أن الله يحبنا ويمكنه أن يخلصنا بسبب موت يسوع وقيامته. لكن كيف نعرف أننا شخصياً قد خلصنا؟ لأن الله وعد أن يفعل ذلك في المعمودية، والله يفي بوعوده.
أعلم أنني سأخلص إذا غُفرت لي خطاياي أو تم تبريري، لأن هذا يعني التخلص من ذنبي وعقابي. أعلم أنني مبرر إذا كنت تحت دم المسيح. وأنا أعلم أنني جئت تحت دم المسيح في المعمودية المسيحية. أعرف لأنني أثق في وعود الله.
قد أشك في مشاعري. قد أتساءل عن أختباري، خاصة بعد مرور الوقت. لكن لا يزال لديّ نقطة مرجعية موضوعية لن أنساها: الوقت الذي ألتقيت فيه بالله في المعمودية، وهناك تلقيت كل ما وعد به لي.
الرجاء المسيحي يعتمد على وعود الله وليس على مشاعرنا. إنه يقوم على أعمال الله هذه وليس على أعمالنا. دعوا أذهاننا إذن تعتمد على قدرة الله وأمانته، لا على ضعفنا وتقلبنا. “لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً، لأن الذي وعد هو أمين” (عبرانيين 10: 23).




