
التلمذة: كورس ولا كتاب بنخلصه؟
في عصر السرعة والشهادات، بقينا بنحب “العلب الجاهزة والسريعة”. كل حاجة ليها بداية ونهاية، وليها منهج وشهادة تخرج. وللأسف، نقلنا العقلية دي لروحياتنا وكنائسنا.
كام مرة شوفت إعلان في الكنيسة عن “كورس تلمذة مكثف لمدة 3 شهور”؟ وكام مرة قفلنا كتاب التلمذة الأخير وحسينا براحة نفسية وقولنا: “أمين.. كده إحنا اتلمذنا خلاص! واتكرمنا؟”
هنا بيكون في مشكلة كبيرة. لما بنختزل التلمذة في مجرد “منهج” أو “كورس”، بنقع في فخ خطير جداً بنتحول من “تلاميذ” لـ “طلبة“ كل همهم الشهادة.
التلمذة في الكتاب: مش منهج و مش مستويات
يسوع ما قالش لتلاميذه: “اتعلمواعني“. قالهم: “اتبعني” (متى ١٦: ٢٤). الفعل نفسه “اتبع” بيتكرر في الأناجيل أكتر من ٨٠ مرة. التبعية مش حدث بيحصل مرة وبعدين بيخلص، هي حالة مستمرة، كل يوم، كل لحظة.
والرب نفسه وضّح إن مسيرة التلمذة مش بتنتهي وأنت لسه شايل جسدك: “من يثبت إلى المنتهى فهذا يخلص“ (متى ١٠: ٢٢). المنتهى مش نهاية الكورس المنتهى هو نهاية العمر.
بولس الرسول، اللي كتب ثلثي العهد الجديد، قال بعد كل سنين خدمته وتعبه: “لست أحسب أني قد أدركت” (فيلبي ٣: ١٣). رجل بحجم بولس، بعد كل ما قدّمه، لسه بيقول: “أنا مش وصلت”. فبنحن؟
الأخطار الحقيقية
أولاً: الكبرياء الروحي المزيّف
الشخص بيحس إنه “وصل” لمجرد إنه خلّص مستويات التلمذة الثلاثة أو الأربعة في كنيسته، فبيتقفل قلبه عن التعلم والاتضاع. والكتاب بيحذّرنا من بالضبط هذا التصرف: “من يظن أنه واقف فلينظر لئلا يسقط” (١ كورنثوس ١٠: ١٢).
الكبرياء الروحي هو أخطر أنواع الكبرياء؛ لأنه بيجي لابس ثوب التقوى. التلاميذ الحقيقيين عندهم علامة واحدة ثابتة: كلما اقتربوا من المسيح، كلما عرفوا أكتر إنهم محتاجين أكتر.
ثانياً: الانفصام الروحي
بيبقى فيه انفصام بين الكلام الروحي اللي بنقوله في القاعات، وبين السلوك الفعلي في الشارع والبيت. يعقوب الرسول كان صريح جداً في الموضوع ده: “كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط، مخادعين أنفسكم” (يعقوب ١: ٢٢).
التلمذة الحقيقية بتتجلى مش في القدرة إنك تحفظ المحاضرة بتتجلى في الرحمة اللي بتظهر في بيتك، والأمانة في شغلك، والصبر على اللي بيضايقك.
نموذج التلمذة في الكتاب المقدس
لما بنتأمل علاقة يسوع بتلاميذه الاثني عشر، هنلاقي إنها كانت حياة مشتركة كاملة مش محاضرات. أكلوا مع بعض، اتعبوا مع بعض، سألوا واتسائلوا مع بعض، واتكسروا قدام بعض. “والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا” (يوحنا ١: ١٤) يسوع نفسه اختار إن حضوره يكون مشاركة حياة، مش كتاب درس.
بولس كمان عاش هذا النموذج مع تيموثاوس. مش بعتله منهجاً مكتوباً بس، بل قاله: “أنت اتبعتني في تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري” (٢ تيموثاوس ٣: ١٠). التلمذة كانت في مشاهدة الحياة مش في قراءة الكلام.
الخلاصة: متدورش على كورس.. دور على “حياة“
الكتب والكورسات عاملة زي “محطات البنزين” بنقف عندها عشان نملأ تانك العربية بأفكار ومبادئ صحيحة. لكن محطة البنزين مش هي السفرية! السفرية هي السواقة نفسها في طريق شبه المسيح، اللي بيحدده الكتاب واضح: “من قال إنه ثابت فيه ينبغي له أن يسلك هو أيضاً كما سلك ذاك” (١ يوحنا ٢: ٦).
عشان كده، متدورش على كورس تخلصه عشان تاخد شهادة. دور على “قلب” أقدم منك في السكة تتلمذ عليه وتتعلم منه الاتضاع والحب زي ما إيليا اتعلم منه إليشع وهو بيمشي معه (١ ملوك ١٩). ودور على “حياة تشاركها مع ناس تانية عشان تنقلهم بركة المسيح اللي فيك لأن الرب نفسه بعتنا نمشي مع بعض : “واحدة واحدة أو اثنين اثنين” (لوقا ١٠: ١)
التلمذة مش خانة بنعلّم عليها في لستة واجباتنا الروحية
في النهاية، المسيح مأسسش “مدرسة لاهوتية” بتقدم شهادات ورقية، بل أسس “جماعة حياة” بتسيب بيوتها وشباكها عشان تمشي وراه. التلمذة مش محتاجة طالب شاطر بيحفظ المنهج عشان يقفل الامتحان، محتاجة قلب مكسور ومستعد يتشكل كل يوم على صورة السيد
قبل ما تسجل في كورس التلمذة الجاي، اسأل نفسك: هل أنا بدور على “معلومات” تملأ دماغي وتريح ضميري، ولا بدور على “حياه” تغير قلبي وسلوكي؟
الشهادات هتدوب، والكتب هتتأكل على الرفوف، لكن التلميذ الحقيقي هو اللي بيتحول لـ “رسالة مقروءة” من كل الناس في بيته وشغله وشارعه. متخليش كورس مدته شهور يسرق منك رحلة عمر كاملة في حضن المسيح ومعية قديسيه. اخرج من قاعة المحاضرات.. وابدأ السفرية!




